مشكلة النفس الانسانية في الفلسفة الاغريقية (افلوطين انموذجا)
الملخص
يمكن القول إن البحث في أي إشكالية فلسفية في الفلسفة اليونانية بشكل عام، وعند أفلوطين بشكل خاص، هو في حد ذاته بحث عند مفترق حاسم في تاريخ الفكر الفلسفي، إذ يُعد أفلوطين نقطة تحول بين حقبتين: الفلسفة اليونانية والفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى. بل، وأكثر من ذلك، فإن أفلوطين يمثل حالة فريدة في دمج الفكر الفلسفي مع الدين، بعد ظهور الديانة المسيحية، وقبلها الديانة اليهودية التي كانت أقل تأثيرًا في مجرى تفكيره وتفكير غيره من الفلاسفة بوجه عام. ويمكن ملاحظة أكثر من تيار في فلسفته، مثل الأورفية، والفيثاغورية، والأفلاطونية، والدين، والتصوف، بالإضافة إلى المعتقدات الشرقية، وينعكس هذا في منهجه الفلسفي وأسلوبه الغامض في التعبير الفلسفي.
ومن هنا، أصبحت الإشكالية تتسم بطابع مستقل في فلسفة أفلوطين، من دون أن تكون معزولة عن الوجود والعالم، بل جعل منها رابطًا وصلة بين الوجود المحسوس وغير المحسوس، يمكن من خلاله فهم العالَمين: عالَم الموجودات القابلة للانقسام، وعالَم الموجودات غير القابلة ـ في طبيعتها ـ للانقسام، إذ إن النفس تجمع بين هذين العالمين أو الطبيعتين.
وقد تناولنا في هذه الدراسة إشكالية النفس الإنسانية (Psyche) في الفلسفة اليونانية، متخذين أفلوطين نموذجًا، حيث تتبعنا المسار التاريخي، ووقفنا عند أبرز الفلاسفة في الحقبة اليونانية ممن كانت لهم رؤية وفلسفة عميقة حول هذه الإشكالية، بدءًا من طاليس، وديموقريطس، وأنكسيغوراس، وهيراقليطس، ومدرسة فيثاغورس، وكذلك الثالوث العقلي الفلسفي المكوَّن من سقراط، وأفلاطون، وأرسطو. ولا شك في أن كل دراسة تنطلق من مجموعة من الأسئلة الأساسية التي تُشكِّل دافعًا للبحث والاستقصاء العلمي، وركنًا أساسيًا في دراسة أي إشكال. ويمكن اعتبار النفس مشكلة أزلية في تاريخ الفكر الفلسفي، إذ حاول الفلاسفة قبل أفلوطين معالجتها بدقة، رغم تباين الآراء والأفكار حولها، حتى جاء سقراط وناقشها من منظور فلسفي.
وقد تمحورت أسئلتنا حول قضايا مثل: ما هي النفس؟ وما طبيعتها؟ وما مصيرها؟ وما علاقتها بالأخلاق والتربية والجوانب الأخرى من حياة الإنسان؟ وكيف تناول أفلوطين مشكلة النفس؟ وهل النفس موجودة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها كانت محور دراستنا، وحاولنا الإجابة عنها في ثنايا هذا البحث.
لقد اتبعنا في هذه الدراسة المنهج التحليلي والتاريخي، مع الإشارة إلى الجوانب المقارنة بين فلاسفة ما قبل أفلوطين وما بعده، من أجل تقديم صورة أكثر شمولًا ومعالجة أدقّ للمشكلة. وكان هدفنا إبراز الجانب الفلسفي لهذه الإشكالية وفقًا للفلاسفة اليونانيين، ثم بيان أهميتها في فلسفة أفلوطين، وتأثير النفس الإنسانية في الجانب الأخلاقي والمعرفي للإنسان.